فقه الإبتلاء/ لماذا المصائب والأحزان؟

؟ لماذا المصائب والاحزان

d8add8b2d98ad986-1.jpg

ما هو الرابط بين قصص ثلاث:

السيدة مريم تهز جذع النخلة عند ولادة المسيح. وسيدنا موسي يضرب الحجر لتنبع عيون الماء وغزوة أحد ينهزم فيها المسلمون عندما هبط الرماة من الجبل قبل إنتهاء المعركة.

إن الله -تعالى- أقام هذا العالم على نظام محكم، وأودع فيه قوانين تنظم حركته، ومن تجاهل هذه القوانين فإن حياته سوف تفسد. أحد هذه القوانين الأساسية هو قانون السببية. ومعناه إرتباط النتائج بالأفعال. فيكلف السيدة مريم أن تهز جذع النخلة لتحصل علي التمر ويأمر سيدنا موسي بضرب الحجر بالعصا لينبع الماء.

ومن لا يقوم بواجبه يخسر حتي لو كان صالحا. فانهزم المسلمون في بداية غزوة أحد عندما عصي الرماة أمر رسول الله. وعندما تركن الأمة الموحدة للكسل والتنافس علي الدنيا والتقاتل فيما بينها، تتسلط عليها الأمم الأخري وتسرق أقواتها. أي أن ما يحدث لنا ليس بالضرورة قدرا مفروضا علينا وإنما كثيرا ما يكون هو نتيجة عملي علي المستوي الشخصي أو علي مستوي الأمة:

مثال علي المستوي الشخصي:

  • أنا أقود سيارة بسرعة 200كم/ساعة وتنقلب السيارة وأصاب بشلل رباعي………هذه نتيجة عملي
  • أنا لا أذاكر فأرسب في الإختبار………..هذا ليس قدري أنه نتيجة عملي
  • شخص يدخن ويصاب بالسرطان………..هذا ليس قدري أنه نتيجة عملي

شخص يفرط بالأكل ويصاب بالسمنة………..هذا ليس قدري أنه نتيجة عملي

مثال علي مستوي الأمم: الأمة التي تركن للدعة وتترك مهمتها في إعمار الأرض و البحث العلمي والريادة وتسلم نفسها للراحة والكسل وتتلقف كل ما يقدم إليها من شبهات وتسعي فقط لإدراك الشهوات هي أمة تركت أسباب قوتها وإبتعدت عن أوامر الله الذي :

  • دعا إلي التفكر وإعمال العقل.
  • دعا إلي إتخاذ وسائل العلم واستعمالها في إصلاح وإعمار الكون.
  • دعا إلي اتخاذ القوة التي تحمي بها الحقوق وترفع الظلم عن المظلومين.

فعندما تتهاون الأمة في حمل مسؤولياتها فتؤكل وتستعمر وتستضعف ويقتل أبناؤها فهي مسؤولية الأمة التي تراكمت أخطاؤها وعليها أن تتحمل النتيجة.حزين 2

إن الله علي المستوي الفردي والجماعي لم يفرض إلا ماهو مفيد وضروري ولم يحرم الا ما هو خبيث وضار من بداية آداب قضاء الحاجة التي تفيض رقيا وصحة إلي تشريعات الإقتصاد والسياسة والإقتصاد والعهود والمواثيق مع الدول. ولهذا وبعد أن أوضح الله لنا كل التشريعات في كتابه الكريم وسنة رسوله كان علينا أن لا ندعي ان ما خسرناه بسبب مخالفتنا لما أنزله الله إلينا، كان ظلما من الله.

لله المثل الأعلي:

لو أن الأم التي تربي إبنها صححت أخطاؤه له وقامت بدلا منه بأداء واجباته لنشأ ضعيفا فاشلا فاقد القدرة .ولأتهمنا تلك الأم أنها هي السبب في فساد ذلك الإبن وضعفه. فكيف بنا ونحن نحاسب الله علي أخطائنا ونطلب منه أن يتداركها ويصوبها ويتدخل ليوقف آثارها.

أراد الله  لنا القوة والقدرة والوعي ولهذا أعطانا الحرية في إتخاذ القرارات. و تحمل النتيجة لتلك القرارات هو ما يطور إمكاناتنا وعقلنا وقدرتنا علي التعلم واكتساب الخبرة. هذا هو إختبارنا الذي كتبه الله علينا.

الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة هي قصيرة جدا. تكاد لا تساوي شيئا فإن أنت قسمت متوسط عمر الفرد علي مالا نهاية الأبدية فهي لا تساوي شئ فعليا. تخبرنا سورة النازعات عن الحال يوم القيامة ووزن الدنيا عندما تتضح الصورة الكلية: ( كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها)46 سورة النازعات

لذا فحتي الأشخاص الذين أصابتهم الإبتلاءات والمحن لو تعاملوا معها بالمعطيات الربانية:

  • إذا كان هناك تقصير علي المستوي الفردي:  فعلينا العمل علي تدارك الخطأ. الأخذ بأسباب القوة لرد الظلم وبالعلم لشفاء المرض. عموما علينا الأخذ بالأسباب لتحقيق المصلحة المرجوة. أن تسعي ولكن بشرط أن تسعي في الإتجاه الصحيح .والنتيجة ستكون إحدي حالتين:
  1. إما أن تكون فعلت قدراتك وتطورت إمكانتك وحققت أهدافك واكتسبت خبرات من التجربة الشاقة.
  2. أو قد لا تحقق أهدافك بعد إستفراغ الوسع فعليك ساعتها بالصبر الجميل. فلعل هناك حكمة من وراء تأخير تحقيق أهدافك. وساعتها يكون جزاءك الأجر العظيم ورضا الله والجنة.
  • عندما يكون التقصير علي مستوي الامة : وأن أكون أنا كفرد عاجز عن إحداث تيار قوي لتعديل مسار الأمة ، فساعتها أنا اقوم بدوري الذي أستطيعه و سيقبله الله مني، لإن الله وضع لنا ضوابط: تذهب الهم عن نفوسنا وهي :
  1. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها
  2. وأن لا تزر وازرة وزر أخري
  3. و تلك الحياة الدنيا القصيرة أمامها خلود في النعيم لمن قام بدوره فعليا حتى لولم يتفاعل معه الناس في الخير الذي نصحهم فيه. تلك حياة الأبطال من الناس الذين يسعون للإصلاح  فهم يتحملون مشقة ويجهدون فعلا وربما يصابون بالأذي ولكن إذا وضع الأجر مقابل العمل تتضح الصورة.

ولنا عبرة في قصة الرجل الذي جاء من اقصي المدينة يسعي في سورة يس: جاء يدعو قومه للإيمان فقتلوه قتلة شنيعه وعندما رأي الجنة قال : يا ليت قومي يعلمون.

إن لم تكن المصائب والإبتلاءات نتيجة تقصيري. أي أنها ليست تكفيرا لذنب فهي لرفع الدرجات أو للترقي وإبراز روعة معدن الإنسان. ولمزيد من التوضيح:

  • خلق الله الإنسان ليسعد ولمحبته. وحياته الدنيا بإختباراتها تساعده للترقي في الكمالات البشرية حتي يصبح أليق للقرب من الله والخلود في الجنة.
  • فمثلا: ماكينة عد الاموال ليست أمينة ولكن إنسان يعيش إحتياجا ماليا ويصمد أمام مال ليس له يستحق الإكبار.
  • الكمبيوتر ليس صادقا ولكن إنسان يمكنه ان يحقق مكسبا قريبا بالكذب ويؤثر الصدق فهذا الذي يستحق التقدير.

لهذا كانت الإختبارات والإبتلاءات وسيلة لإبراز وتنمية الخير والكمالات البشرية.

  • الإبتلاءات هي فرصة للإنسان ليكتشف حقيقة نفسه فيصوب من خطأها. فكم من مواقف ظننا بأنفسنا خيرا ثم ظهر الضعف فقط مع التحدي.

مثال: الطبيب يقوم بعمل رسم قلب مع بذل مجهود ليظهر إن كان هناك عيب في القلب لا يظهر مع الحركة المعتادة.

-إن الحياة الدنيا فرصة للإنسان ليعمل علي إكتساب أعظم قدر ممكن من صفات الرحمة والعلم والخبرة والقدرة والإبداع. بشكل أوضح أن التقرب من الله وإستحقاق الخلود في النعيم والوصول إلي مقام المحبة لله يكون من خلال إكتساب تلك الصفات. وتكون درجة قرب كل إنسان من الله هي بحسب قدرته علي إكتساب تلك الكمالات. ولن يكون هذا إلا بالعمل والإجتهاد. أن تكون مؤهلا لمقام المحبة لله فلابد أن تتشبه بصفاته. (ألا إن سلعة الله غالية ،إلا إن سلعة الله الجنة)  (وللذين أحسنوا الحسني وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة.أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)26. يونس

وتبرز هنا الآية الكريمة وعسي أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم في قصة يحكيها د. راتب النابلسي:

التقيت مع طبيب من كبار الأطباء قال لي: يوم كنت طالباً في الجامعة.. كنت في سيارة عمومية لخمسة ركاب.. صعدت إلى المقعد الأول …وجاء شخص فتح الباب. لم يتكلم ولا كلمة. أمسكني من ثيابي وحملني وألقاني خارج السيارة وركب مكاني! ولم يقل لي إنزل .. والله لو قال لي إنزل لما حزنت! لم يكلمني أبداً كأنني ذبابة. قال: كدت أموت من الألم النفسي . وأقسم بالله لو كان معي سلاح لقتلته! إحتقار لا يحتمل .. طالب طب جالس في سيارة .. يأتي إنسان كالوحش يحمله من ثيابه ويركب مكانه ويقول للسائق امشي ..!!المهم مشى السائق..وانا انتظرت ساعتين إلى أن جاءت سيارة اخرى .. فركبت ..وفي الطريق .. وجدنا حادث مروع نزلنا لنحاول إسعاف أو مساعدة الركاب ففوجئت بأنها السيارة التي أنزلوني منها .. انقلبت والركاب الخمسة ماتوا جميعا !!! سبحان من يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي خلال ثانية انقلبت حياتي .. من بؤس للمهانة التي تعرضت لها ، إلى شكرلله عز وجل 

إن أصابتك محنة فأقترح عليك أن تتعامل معها كالتالي:
• إحمد الله عليها وابحث كم من الروعة سأكتسب أثناء إجتيازها؟
• ما هي نقاط ضعفي التي سأكتشفها وسوف أعالجها ؟
• ما هي المهارات التي سأكتسبها؟
• ما هي الطريقة السليمة والحل الأفضل لتلك المشكلة وماهوالجهد المطلوب وخطة التنفيذ؟
• ثم توكل علي الله وانطلق وأحمد الله رب العالمين علي محنة إما ستغفر ذنبا أو ترفع درجة أو تكسبك كمالات أعلي وتعطيك قوة وخبرات في الحياة ستزيد من روعة نجاحك ومتعته.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة Akismet للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.