القدر يتكلم/ سؤال الشر الشهير

لتستقر النفس وتطمئن لمحبة الله لها وترضي بما قدره الله عليها تحتاج أن تبني رؤية لطريقة وزن الاحداث والمواقف.

يعد هذا الموضوع إستكمالا للحلقة الأولي علي الرابط التالي:

https://wp.me/p9ho0b-bL                                                     بعنوان فقه الإبتلاء / لماذا المصائب والاحزان

  https://wp.me/p9ho0b-c3                             ودرس: راحة القلب/مفاهيم حول القضاء والقدر  علي هذا الرابط  

وأتمني أن أعطي الحق لصاحبه فذلك المقال وجدته متداولا علي مجموعات الواتساب ولم يكتب صاحبه إسمه عليه. ولكن حقيقة أعجبت جدا بالمعالجة والرؤية ورأيت أنها بالفعل تصل لما فهمته وإستقر في عقلي ووجداني.

مع الشكر لصاحب المقال الذي لا يضره اننا لا نعرفه فأجره عند الله، وأتمني أن تخبروني إذا ما إتفقتم معي ومع صاحب المقال علي ما جاء فيه. 

القَدَر يتكلم على لسان الخضر عليه السلام .

كيف نفهم القدر؟!..

لعل أحد أكثر الأسئلة التي تدور في أذهان  المسلم خاصة.. هو ما يعرف فلسفيا باسم سؤال الشر.. وهو بكل بساطة..

لماذا خلق الله الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟ لماذا يموت الأطفال في سورية؟ لماذا يموت الأطفال جوعا في افريقيا؟

 أليس الله هو الرحمن الرحيم؟ فكيف يمتلئ الكون بكل هذه المآسي؟ 

طبعا سيكون من الرائع لو تمكننا من فهم تلك المتناقضات التي ترهق أرواحنا.. ومع أن هذا يبدو مستحيلا الآن.. 

إلا أن هذا فعليا قد حدث.. قبل ثلاثة وثلاثين قرنا من الآن،

(كان نبي الله موسى لديه كما لدينا الكثير من الأسئلة.. منها رؤية الله (رب أرني أنظر إليك.. )

وقد ورد في صحيح البخاري ومسلم أن سيدنا موسي خطب في بني إسرائيل خطبة بين فيها بعض الغيبيات فسأله أحدهم: هل يوجد في الأرض أعلم منك؟ فقال عليه السلام: لا. وعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه وأوحي إليه إن عبدا لي بمجمع البحرين هو أعلم منك. ورغب موسي بلقاءه فدله الله علي آية يعرفه بها. القصة طويلة ومشهورة ومن اراد قراءة تفاصيلها سيصل إليها بكل سهولة وندعوه إلي ذلك.

لكن هنا هي دعوة للتدبر بشكل مختلف. أن لا ننظر إلي الخضر بشخصه وإنما بوصفه. هو رجل يوحي له الله بأوامر يؤديها . من ينظر إلي تلك الأفعال فهولا يعرف عليتها ولا السبب ورائها وأن تلك الافعال إذا قستها بمقياس العقل السطحي تبدو شرا فظيعا ولكن الخير مخفي في ثناياها.   

في الحقيقة أري الخضر عليه السلام وكأنه يمثل القدر نفسه.. يمثل يد الله التي تغير أقدار الناس.. والجميل أن هذا القدر يتكلم.. لذلك نحن الآن سنقرأ حوارا بين نبي(بَشَر) مثلنا تماما.. لديه نفس أسئلتنا.. وبين قدر الله المتكلم.. ولنقرأ هذا الحوار من زاوية جديدة.

أول جزء في الحوار كان وصف هذا القدر المتكلم .. آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما.. أي أنه قدر رحيم وعليم.. وهذا أصل مهم جدا.. ثم يقول سيدنا موسى عليه السلام(بشر)…… “هل أَتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَنِي مما عُلِّمْتَ رُشْدَا”.. يرد القدر……

 “إنَّكَ لن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَا وكيف تَصْبرُ على ما لم تُحِطْ به خُبْرَا.. “

جواب جوهري جدا…….. 

فهم أقدار الله فوق إمكانيات عقلك البشري…… ولن تصبر على التناقضات التي تراها…………..

 فيرد  موسى عليه السلام ….

“ستجدني إِنْ شَاءَ اللهُ صَاِبراً ولا أَعْصِي لَكَ أمرا”.. ويرد القدر 

“فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا”.. ويمضي الرجلان.. ويركبا في قارب لمساكين يعملون في البحر.. ويقوم سفينةالخضر بخرق القارب.. وواضح تماما أن أصحاب المركب عانوا كثيرا من فعلة الخضر.. لأن موسى تساءل بقوة عن هذا الفعل الذي يبدوا شرا،  كما نتساءل نحن.. “أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا.. لقد جِئْتَ شَيْئَا إمرا”.

نحن نقول نفس الكلام معاتبين للأقدار التي أجراها الله علينا .. أخلقتني بلا ذرية كي تشمت بي الناس؟ أفصلتني من عملي كي أصبح فقيرا؟ نفس الأسئلة.. يسكت الخضر ويمضي.. طبعا الشاهد الأساسي هنا أن أصحاب المركب عانوا أشد المعاناة.. وكادوا أن يغرقوا.. وتعطلت مصلحتهم وباب رزقهم.. لكن ما لبثوا أن عرفوا بعد ذهاب الخضر ومجىء الملك الظالم أن خرق القارب كان شرا مفيدا لهم.لأن الملك لم يأخذ القارب غصبا.

نكمل.. موسى لا زال في حيرته.. لكنه يسير مع الرجل (القدر) الذي يؤكد لموسى.. “ألم أقل لك أنك لن تستطيع معي صبرا؟” ألم أقل لك يا إنسان أنك أقل من أن تفهم الأقدار.. يمضي الرجلان.. ويقوم الخضر الذي وصفناه بالرحمة والعلم بقتل الغلام.. ويمضي.. فيغضب موسى عليه السلام .. ويعاتب بلهجة أشد..”أَقَتَلْتَ نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا”. 

تحول من إمراً إلى نكراً.. 

والكلام صادر عن نبي أوحي إليه.. لكنه بشر مثلنا.. ويعيش نفس حيرتنا.. يؤكد له الخضر مرة أخرى “ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا”.. طبعا هنا أصل مهم.. إننا كمسلمون نقرأ القرآن ننظر إلى الصورة من فوق.. فنحن نعرف أن الخضر فعل ذلك لأن هذا الغلام كان سيكون سيئا مع أمه وأبيه.. “وكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا”.. والسؤال….. طفل

هل عرفت أم الفتى بذلك؟هل أخبرها الخضر؟. 

الجواب لا.. بالتأكيد قلبها انفطر وأمضت الليالي الطويلة حزنا على هذا الفتى الذي ربته سنينا في حجرها ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي.. وبالتأكيد.. هي لم تستطع أبدا أن تعرف أن الطفل الثاني كان تعويضا عن الأول.. وأن الأول كان سيكون سيئا.. فهنا نحن أمام شر مستطير من وجهة نظر الأم.. ولم تستطع تفسيره أبدا..

ثم يصل موسى والخضر إلى القرية.. فيبني الجدار ليحمي كنز اليتامى.. هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم؟ لا.. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه؟ لا.. هل شاهدوا لطف الله الخفي.. الجواب قطعا لا.. هل عرف موسى السر من بناء الجدار؟ لا……. 

ثم مضى الخضر.. وكأنه القدر المتكلم.. بعد أن شرح لموسى ولنا جميعا كيف يعمل القدر والذي يمكن تلخيصه ببساطة كالآتي..

الشر شيء نسبي.. ومفهوم الشر عندنا كبشر مفهوم قاصرلأننا لا نرى الصورة كاملة، فما بدا شرا لأصحاب المركب اتضح أنه خير لهم.. 

وهذا أول نوع من القدر..شر تراه فتحسبه شرا.. فيكشف الله لك أنه كان خيرا.. وهذا نراه كثيرا.. 

النوع الثاني مثل قتل الغلام .. شر تراه فتحسبه شرا.. لكنه في الحقيقة خير.. ولا يكشف الله لك ذلك فتعيش عمرك وأنت تعتقد أنه شر.. مثل قتل الغلام.. لم تعرف أمه أبدا لم قتل..

النوع الثالث وهو الأهم.. هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري.. لطف الله الخفي.. الخير الذي يسوقه إليك.. مثل بناء الجدار لأيتام الرجل الصالح..

فالخلاصة إذن.. أننا يجب أن نقتنع بكلمة الخضر الأولى “إنك لن تستطيع معي صبرا” لن تستطيع يا ابن آدم أن تفهم أقدار الله.. الصورة أكبر من عقلك.. قد تعيش وتموت وأنت تعتقد أنك تعرضت لظلم في جزئية معينة.. لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما.. الله قد حماك منها.. مثال بسيط.. أنت ذو بنية ضعيفة.. وتقول أن الله حرمني من الجسد القوي.. أليس من الممكن أن شخصيتك متسلطة.. ولو كنت منحت القوة لكنت افتريت على الناس؟ حرمك الله المال.. أليس من الممكن أن تكون من الذين يفتنون بالمال وكان نهايتك ستكون وخيمة؟ حرمك الله الجمال.. أليس من الممكن انك ذات شخصية استعراضية.. ولو كان منحك الله هذا الجمال لكان أكبر فتنة لك؟ لماذا دائما  ننظر للجانب الإيجابي للأشياء؟ ونقول حرمنا الله 

استعن بلطف الله الخفي لتصبر على أقداره التي لا تفهمهما.. وقل في نفسك.. أنا لا أفهم أقدار الله.. لكنني متسق مع ذاتي ومتصالح مع حقيقة أنني لا أفهمها.. لكنني موقن كما الراسخون في العلم أنه كل من عند ربنا.. إذا وصلت لهذه المرحلة.. ستصل لأعلى مراحل الإيمان.. الطمأنينة.. وهذه هي الحالة التي لا يهتز فيها الإنسان لأي من أقدار الله.. خيرا بدت أم شرا.. ويحمد الله في كل حال.. حينها فقط.. سينطبق عليك كلام الله “يا أيتها النفس المطمئنة” حتى يقول.. “وأدخلي جنتي”  

ولاحظ هنا أنه لم يذكر للنفس المطمنئة لا حسابا ولا عذاب