القدر يتكلم/ سؤال الشر الشهير

لتستقر النفس وتطمئن لمحبة الله لها وترضي بما قدره الله عليها تحتاج أن تبني رؤية لطريقة وزن الاحداث والمواقف.

يعد هذا الموضوع إستكمالا للحلقات السابقة حول القضاء والقدر وفقه الإبتلاء:

وكأن القَدَر يتكلم على لسان الخضر عليه السلام .

كيف نفهم القدر؟!.. لعل أحد أكثر الأسئلة التي تدور في أذهان  المسلم خاصة.. هو ما يعرف فلسفيا باسم سؤال الشر.. وهو بكل بساطة:

لماذا خلق الله الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟ لماذا يموت الأطفال جوعا أو في الحروب؟ أليس الله هو الرحمن الرحيم؟ فكيف يمتلئ الكون بكل هذه المآسي؟ 

قصة سيدنا موسي والخضر: وقد ورد في صحيح البخاري ومسلم أن سيدنا موسي خطب في بني إسرائيل خطبة بين فيها بعض الغيبيات فسأله أحدهم: هل يوجد في الأرض أعلم منك؟ فقال عليه السلام: لا. وعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه وأوحي إليه إن عبدا لي بمجمع البحرين هو أعلم منك. ورغب موسي بلقاءه فدله الله علي آية يعرفه بها. القصة طويلة ومشهورة ومن اراد قراءة تفاصيلها سيصل إليها بكل سهولة وندعوه إلي ذلك.

لكن هنا هي دعوة للتدبر بشكل مختلف. أن لا ننظر إلي الخضر بشخصه وإنما بوصفه. هو رجل يوحي له الله بأوامر يؤديها. هذه الأوامر تأتي من الله ومن ينظر إلي تلك الأفعال لا يعرف علتها ولا السبب ورائها وأن تلك الافعال إذا قستها بمقياس العقل السطحي تبدو شرا فظيعا ولكن الخير مخفي في ثناياها. 

في الحقيقة أري الخضر عليه السلام وكأنه يمثل القدر نفسه. يمثل قدر الله الذي يجري علي أشخاص قد لا يعرفوا السبب وراء هذا القدر. والجميل أن سيدنا الخضرتكلم وأوضح لنا تلك الأسباب كنموذج لبقية أقدار الله وأفعاله. لذلك نحن الآن سنقرأ حوارا بين نبي(بَشَر) مثلنا، لديه نفس أسئلتنا.  وبين سيدنا الخضر والذي يمثل قدر الله المتكلم. ولنقرأ هذا الحوار من زاوية جديدة.

في القصة 3 أحداث رئيسية: (خرق  السفينة – قتل الغلام –  بناء الجدار). حاول تعمل مقارنة بين الأحداث الثلاث  من حيث: علم من وقع الفعل في حقهم. و بما حدث ورؤيتهم له إن كان خيرا او شرا. هل سيدركون حقيقة ما حدث في المستقبل أم لا؟

أول جزء في الحوار كان وصف الله لسيدنا الخضر(آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما). أي أن أوامر الله وأقداره دوما تتسم بالرحمة والعلم. وهذا أصل مهم جدا. ثم يقول سيدنا موسى عليه السلام (بشر). “هل أَتَّبِعُكَ على أن تُعَلِّمَنِي مما عُلِّمْتَ رُشْدَا”. يرد القدر. إنَّكَ لن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَا وكيف تَصْبرُ على ما لم تُحِطْ به خُبْرَا. “

جواب يشير إلي لب الأمر. لأن فهم أقدار الله فوق إمكانيات عقلك البشري. ودون ثقة في الله وإستسلام لأمره، لن تصبر على التناقضات التي تراها.

في هذا الوقت لم تكن معرفة سيدنا موسي بالخضر قد توطدت لتكون لديه الثقة الكاملة في أفعاله كلها وأن يتأكد أنها مهما كان ظاهرها مؤلما إلا أنها لصالح الناس أولا وآخرا لأنها أمر من الله تعالي. فكان رد  موسى عليه السلام .ستجدني إِنْ شَاءَ اللهُ صَاِبراً ولا أَعْصِي لَكَ أمرا”

  • ويرد سيدنا الخضر (القدر)  فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا”. ويمضي الرجلان. ويركبا في قارب لمساكين سفينةيعملون في البحر. ويقوم الخضر بخرق القارب. وواضح تماما أن أصحاب المركب عانوا كثيرا من فعلة الخضر.. لأن سيدنا موسى تساءل بقوة عن هذا الفعل الذي يبدوا شرا،  كما نتساءل نحن. “أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لقد جِئْتَ شَيْئَا إمرا”.

نحن نقول نفس الكلام معاتبين للأقدار التي أجراها الله علينا. أخلقتني بلا ذرية؟ أفصلتني من عملي كي أصبح فقيرا؟ سمحت لهذا الشرير بالتسلط علي الصالحين؟ نفس الأسئلة. طبعا الشاهد الأساسي هنا أن أصحاب المركب عانوا وتأذوا وربما تحسروا علي من يقدم الخير للناس ويكون هذا جزاؤه.  لكن ما لبثوا أن عرفوا بعد ذهاب الخضر ومجىء الملك الظالم أن خرق القارب كان شرا مفيدا لهم.لأن الملك لم يأخذ القارب غصبا.

  •  يمضي الرجلان.. ويقوم الخضر الذي وصفناه بالرحمة والعلم بقتل الغلام ويمضي. فيغضب موسى عليه السلام. ويعاتب بلهجة أشد.”أَقَتَلْتَ نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا”.  تحول من إمراً إلى نكراً..

والكلام صادر عن نبي أوحي إليه. لكنه بشر مثلنا. ويعيش نفس حيرتنا. يؤكد له الخضر مرة أخرى “ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا”.. طبعا هنا أصل مهم.. إننا كمسلمون نقرأ القرآن ننظر إلى الصورة من فوق.. فنحن نعرف أن الخضر فعل ذلك لأن هذا الغلام كان سيكون سيئا مع أمه وأبيه.. “وكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا”..

  • والسؤال: هل عرفت أم الفتى بذلك؟هل أخبرها الخضر؟ الجواب لا، بالتأكيد قلبها انفطر وأمضت الليالي الطويلة حزنا على هذا الفتى الذي ربته سنينا في حجرها ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي. وبالتأكيد. هي لم تستطع أبدا أن تعرف أن الطفل الثاني كان تعويضا عن الأول. وأن الأول كان سيكون سيئا.. فهنا نحن أمام شر مستطير من وجهة نظر الأم.. ولم تستطع تفسيره أبدا.

ثم يصل موسى والخضر إلى القرية. فيبني الجدار ليحمي كنز اليتامى. هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم؟ لا. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه؟ لا. هل شاهدوا لطف الله الخفي. الجواب قطعا لا. هل عرف موسى السر من بناء الجدار؟ لا.

ثم مضى الخضر.. وكأنه القدر المتكلم.. بعد أن شرح لسيدنا موسى ولنا جميعا السر وراء هذه النماذج الثلاث من أقدار الله. ما تعلمناه من تلك القصة من القرآن، يمكن تلخيصه ببساطة كالآتي:

الشر شيء نسبي.. ومفهوم الشر عندنا كبشر مفهوم قاصرلأننا لا نرى الصورة كاملة، فما بدا شرا لأصحاب المركب اتضح أنه خير لهم..

  1. أول نوع من القدر..حدث تراه فتحسبه شرا.. فيكشف الله لك فيما بعد أنه كان خيرا. وهذا نراه كثيرا، مثل قصة أصحاب السفينة.
  2. النوع الثاني : حدث تراه فتحسبه شرا. لكنه في الحقيقة خير. ولا يكشف الله لك ذلك فتعيش عمرك وأنت تعتقد أنه شر. مثل قتل الغلام. لم تعرف أمه أبدا لم قتل.
  3. النوع الثالث وهو الأهم.. هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري بتعرضك له وحماية الله لك منه. لطف الله الخفي. مثل بناء الجدار لأيتام الرجل الصالح.

فالخلاصة إذن:إنك لن تستطيع الصبر علي قدر الله دون ثقة كاملة في عدله ورحمته. مثال بسيط:

  •  شخص ذو بنية ضعيفة. يقول أن الله حرمني من الجسد القوي. لربما فشلت في اختبار القوة واستعملتها في غير الخير.
  • شخص حرمه الله المال.. أليس من الممكن أن يفتنه المال فيبخل بزكاة ماله؟ وقد تغره سلطة المال فيظلم أو يتكبر.
  • شخص حرمه الله الجمال. فلربما فتنة الجمال منعته من التصرف بشكل سليم وقد تجلب إليه شرا لا يتمكن من صده.

استعن بإيمانك بلطف الله الخفي لتصبر على أقداره التي لا تفهمهما. وقل في نفسك، قد لا أفهم أقدار الله لكنني موقن به وثقتي فيه تؤكد لي أن ما قدره الله خير في كل حال. وموقن كما الراسخون في العلم أنه كل من عند ربنا. إذا وصلت لهذه المرحلة. ستصل لنفس مطمئنة لا تهتز لأي من أقدار الله.. خيرا بدت أم شرا.. وتحمد الله في كل حال. حينها فقط.. سينطبق عليك نداء الله “يا أيتها النفس المطمئنة” حتى يقول.. “وأدخلي جنتي”

شكر واجب:

هذا المقال، أخذت فكرته من أحد بوستات السوشيال ميديا ولم يكتب صاحبه إسمه عليه. ولكن حقيقة أعجبت جدا بزاوية النظر.وأتمني أن تفيدكم كما نفعتني. مع الشكر لصاحب الفكرة الذي لا يضره اننا لا نعرفه فأجره عند الله.

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.